Friday, January 27, 2017

إصلاح ما أفسده الدهر

في المرحلة الثانوية، أي قبل حوالي التسع سنين... كنت أشعر بالخجل من نفسي تجاه حسن!

حسن كان أحد زملائي في المدرسة، حسن كان شخصاً طيباً خلوقاً ملؤه التفاؤل والبهجة. دائماً ما تراه يسير والإبتسامة مرسومة على محياه مستقلاً بها عن ضغوطات الدراسة أو أي ظرف خارجي. كانت فعلاً إبتسامته لا تنمحي، حسن كان "يتحلطم" مبتسماً!
كانت طيبته وبهجته معي ورغبته في صداقتي وقضاء وقت معي خارج سور المدرسة دائماً ما يقابل بالصد والرد !!! لم أكن قادراً على تقبله ! " ما كان ينبلع"
وللأسف ليس لدي ما يدعم رأيي فيه، ولم أرى في نفسي أساساً لهذا الرأي! كانت فقط حجج أبرر بها موقفي تجاهه " أسلوبه في الحديث، ثرثرته، فلسفته..." أو أحياناً أصبح أكثر واقعية فأقول " الخطأ مني ولكن أنا هكذا، وليس بإمكاني تغيير طبيعتي"
ومع هذا لم يتغير حسن، حتى أصبحت أشعر بالخجل من نفسي وصار لازم التغيير!

أصبحت أنا أبادر، أنا من يبدي رغبته في الطلعات والنزهات خارج المدرسة، ولا أخفيكم كم كان الأمر صعباً في البداية! أذكر بأني قلت لنفسي في أول مرة " ليش تعذب روحك" ولكني مباشرةً أخرست هذا الصوت بداخلي وتصنعت السعادة!
أنا تظاهرت بسعادة غير حقيقية ، ومع الوقت... أحدهم صدق سعادتي وبدأت له حقيقية، إنه عقليَ الباطن! فأصبحت فعلاً سعيد.

كم أنت بريء وساذج يا عقليَ الباطن


---------------------------------------------

أنا لا أتذكر كيف كانت نشأت الكثير من علاقات الصداقة في حياتي وكيف كان التحول من "شخص ما" إلى "صديق". أظن أحياناً أن هذا التحول هو قرار العقل الباطن أو اللاواعي، حيث يتخذه بناءً على مواقف ولحظات ومدة زمنية معينة نقضيها سوية. الأمر جداً عجيب فهو في العادة لا يحتاج لجلسة مراجعة للسيرة الذاتية أوالمواقف التي جمعت بينكم، هذا التحول يحدث بكل سلاسة. وتصاب بالذهول أحياناً عندما تفكر في الأمر "كيف كنا أنا وفلان وأين أصبحنا".
والصداقات "المباغتة" هذه منها ما يعود عليك بالنفع في دينك ودنياك ومنها الركيك الذي يجلب لك الهم والغم...


ومثل هذه الصداقات التي بنيت دون إحساسك وشعورك بها،،، فلقد بنيت فيك الكثير من الصفات والسلوكيات والعادات منذ صغرك دون إي إدارة منك لما يبنى فيك. ولا يخفى عليك أن السنين الأولى لها الوزن الأكبر! فالسنة الواحدة لطفل عمره ستة سنين تعادل ال17% من عمره بينما تعادل فقط 4% من عمر البالغ 25 سنة!
نحن نعرف هذا جيداً ويا ليتنا ما عرفناه أبداً، فأصبحنا لا نلوم أنفسنا، بل نلوم الماضي لنشعر بأن لا ذنب لنا. "عاداتنا وسلوكياتنا الخاطئة تكونت منذ صغرنا فالبيئة التي نشأنا فيها هي المسؤولة، وليس بذنبي أني غير مكترث بالتحصيل العلمي مثلاً فأهلي لم يربوني على ذلك من الصغر، أنا متعود على الدلال والإسترخاء وليس لدي حيلة تجاه هذا الأمر... هكذا أنا".
وللأسف يأتي الشاعر ويزيد قناعتنا هذه فيقول:




فأجاب والدُها : لقد كَـبُرَتْ وطالَ بها العمرْ

ومن العسيرِ صَلاحُها فاتَ الأوانُ ولا مفرْ

قدْ ينفع الإصلاحُ والتهذيبُ في عهدِ الصِغَرْ

والنشء إِنْ أهْـمَـلْـتَـهُ طِفْلاً تَعَثَرَّ في الكِـبَـرْ


أنا مذ وقفت أتأمل في مراحل صداقتي مع حسن... أدركت أن هذا خطأ، وإن إستسلامنا لحالنا ولأخطائنا وإلقاء اللوم على الآخرين ليس إلا ضغف وكسل! فكل شيء فيني بإمكانه أن يتغير بثلاثة عناصر رئيسية:

1- الإرادة /
أنا أردت أن أغير حالي مع حسن فكنت مبادراً راغباً في إحداث التغيير
2- التظاهر (إيهام النفس)/  
كنت أردد على نفسي أني سعيد مستمتع بوقتي وكان عقلي الباطن مصغٍ لي جيداً
3- الوقت/
فالتغير لا يحدث في يومٍ وليلة


وعناصر التغيير هذه لا تقتصر على الصداقات فقط، فمنذ إدراكي للكيفية وأنا أطبقها على الهوايات مثلاً فأحبب نفسي بما فيه فائدة لي. وأصبحت أكثراً تفاؤلاً وقناعةً لمعرفتي بأني لن أقف مكسوراً بعد تلقي صفعات الدنيا، سأتظاهر بأني بخير حتى أكون فعلاً بخير. ولم يقتصر الأمر على هذا فقط، بل بدأت في تغيير الكثير من القناعات الشخصية التي أجدها محفورة في شخصيتي، حتى أني لم أتردد في تغيير تعريفي للجمال وابعاده عن معناه السطحي ! أحس أن فعلاً بإمكاني السيطرة على المشاعر بداخلي وتسييرها كيفما أريد.
وغيرت من نظرتي لبعض تصرفات المجتمع الخاطئة أو على الأقل شعوري تجاهها فأجعلها طبيعية لأعيش سعيداً مرتاحاً. الأمر ليس بالضرورة شيء إيجابي... ولكن لم أضايق نفسي في نقد شيء ليس بإمكاني تغييره.
أغير ولكن بعقل! فالتصرفات القبيحة كالاسراف وحب المظاهر وغيرها لا ينبغي جعلها طبيعية أبداً


عقلك الباطن أو اللاواعي كما يقولون.. هو فعلاً لا يعي إن كنت جاداً فيما تمليه عليه أو كاذباً متظاهراً... فتراه أول من يصدقك شرط أن تستمر!
فإن كنت غير محب للعلوم مثلاً فتظاهر بحبها واملي حبها على نفسك وستحبها قبل ان تدرك ، وان كنت في محنة كبيرة مؤلمة فتظاهر بأنك سعيد غير متألم لترى أن عقلك الباطن سيجعل منها أمراً تافهاً

 أما أدمغتنا فليس صحيحاً ما يقولوه بأنها تتوقف عن النمو بعد عمرٍ محدد.. هي أيضاً تتغير وتنمو في الإتجاه الجديد الذي نرسمه لها وهذا ما اكتشفه العلم الحديث مؤخراً وتحدثت عنه البروفيسوره Lara Boyd في TEDx .


فخلاصة الكلام أن الإصلاح الذي تتمناه ممكن إذا أنت أردت ذلك وأمليته على نفسك وصبرت قليلاً حتى تراه يصبح واقعاً.


Wednesday, September 21, 2016

لا تهمل روح الهارامبي بداخلك

مع متطلبات الحياة الصعبة ومشاغلها إلا أني أحرص أن أكون مرتبطاً بالعالم من خلال قراءتي للأخبار اليومية في شتى المجالات. أريد أن يكون لوقتي القصير الذي أقضيه في هذه القراءة أثر أو حتى فائدة فإن لم يكن لها ذلك فهو وقت مهدور. فأحاول أن أشارك الناس ما قرأت أو أحياناً يقتصر دوري على التعاطف اللحظي ليس أكثر.
كثيرة هي الأخبار التي فعلاً لا تود سماعها ولكن ينبغي عليك ذلك فهي وإن كانت بعيدة جغرافياً عنا إلا أنها صورة أخرى أو تجسيد أوضح لواقعنا المرير. فإن لم تصلك هذه القصة وتتعاطف معها وتدرك أبعادها فمن الممكن أن تأتيك بشكل آخرعلى حين غفلة منك وبغير إدراكٍ أن ما تمر به هو أمر طبيعي بإمكانك تجاوزه كما تجاوزه الكثيرون من قبلك فتكون عرضة لكثير من الألم الذي لم تحصن نفسك ضده. هكذا هي سنة الحياة شئنا أم أبينا ... دوام الحال فيها من المحال، ويوم لك وألف عليك، "لا يستمر الظل إلا في المحال".
ومثل ما قال الشاعر:
لكل شيء اذا ما تم نقصان ***فلا يغر بطيب العيش انسان
هي الامور كما شاهدتها دول *** من سره زمن ساءته ازمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد ***ولا يدوم على حال لها شان

ما زال في ذهني ذلك الخبر الحزين الذي مررت عليه قبل ثلاثة شهور ونص تقريباً. الخبر الذي جسد بكل دقة اللا عدل والظلم في الدنيا. ليس عليك أن تذنب أو تخطئ لتتأذى. قد يكون ما جاءك هو لا مبالاة أو خطأ أحدهم. أو سوء تخطيط أو قصر في فهم نواياك. أعني قصة الغوريلا "هارامبي". إي نعم غوريلا. أنا ما أعرف إذا كانت حياة الحيوانات تعني لك شيئاً. أنا عن نفسي أرى أنها روح قد أزهقت دون حق، وأرى أيضاً أنها قصة بامكاننا استخلاص الدروس والعبر منها.
هارامبي دفع حياته ثمناً لأخطاء غيره. أخطأت الأم عندما أهملت ابنها الصغير ذي الثلاثة أعوام، الحواجز الموضوعة لمنع الزوار من التسلل للحوض فشلت في منع الطفل من السقوط وهذا خطأ من وضعها، ومن ثم أخطأ من فسر نوايا هارامبي، وأخطأ من اتخذ القرار ومن نفذه. أخطاؤهم واهمالهم دفع ثمنها غيرهم وكأن ليس لهارامبي قلب ينبض.

هارامبي بالطبع ليس الأول ولن يكون الأخير. يكاد أن لا يمر يوم دون أن نسمع عن ضحايا جدد أبرياء بغض النظر عن موقعهم الجغرافي وديانتهم، فهدر الروح البريئة مهما كانت شيء محزن. ويبدو أن كثيراً ما تكون للسياسة القذرة دور في ذلك، وأحياناً يحل محلها الجشع والطمع.
ويبدو إني قرأت الكثير عن الحادثة... قرأت وجهات نظر كثيرة وشغلت بالي لفترة فأصبحت فعلاً أراها من بعد آخر وأرى بأنها ليست بالشيء الجديد إن أمعنت النظر.
ليس مستبعداً أنه مر عليك موقف ما في حياتك أصبحت فيه محل هارامبي، تأذيت من شخص ليس من سماته الظلم ولم تؤذه أنت في شيء.
 وليس مستبعداً أبداً أنك كنت محل من أخطأ تجاه هارامبي. لست بظالم ولم تقصد الظلم، ولكنك أخطأت واخترت غاية الخلاص من تبعات الخطأ دون الإكتراث في نوعية الوسيلة وتبعاتها على غيرك.

كثيرأ ما نرى بشراً ينسون أننا بشر مثلهم، وكثيراً ما ننسى نحن ذلك. 
------------------------

لا أعرف متى بالضبط تعلمت وصرت أستعمل كلمة "تعاطف"... ولكني أظن أن الأمر كان في سنيني الأولى... ما إن أرى شخصاً في حالة سيئة أو مر بموقف لا يحسد عليه ...أستعمل هذه الكلمة لأصف شعوري بالأسى ليس أكثر "أنا متعاطف مع هذا الشخص" وأظن بشعوري بالأسى أنني قدمت واجبي كإنساس لإنسان آخر باستخدام أحد أسس الإنسانية. برأيكم هل يكفي هذا ؟
هذا في الأساس ليس تعاطفاً ولا يكفي أيضاً لمعرفة حجم النعمة التي أنا فيها وشكر الله عليها. كنت أحاول أن أوهم نفسي بأني شخص ذو قلب حنون يكترث للآخرين...
ويبدو إني تعلمت المعنى الصحيح للكلمة عندما تعلمت بديل الكلمة باللغة الإنجليزية (sympathy).  أدركت وقتها أني لم أكن أعي معناها الحقيقي بلغتي الأم; المعنى الجديد للكلمة كان فعلاً أقرب للقلب،أدعى للين القلب، أدعى لمعرفة حجم نعم الله علينا وشكره عليها، كما أنه أيضاً أدعى للتأثر ومآزرة الشخص المنكوب. ما احتجت الكثير من الوقت لأميز أنه المعنى الحقيقي... كان واضحاً جداً.

علموني أن التعاطف ليس بالقول فقط، إنما هي ممارسة تحتاج قلباً أبيض كبير. لتتعاطف مع أحد لابد أن تعيش لحظته، لابد أن تغمض عينيك وتنتقل بروحك إلى جسده وتمر بنفس الظرف الذي مر به فتتعرف أكثر على حجم ألمه، أو على العلة من اتخاذه قرار معين، أو على ظروفه. أن تتعاطف مع شخص هو أن تضع نفسك مكانه تماماً فيجري عليك ما يجري عليه.

أظن أن التعاطف السليم يزيد من تجاربك الشخصية وبالتالي يزيد من مقاومتك للظروف التي قد تمر بك. والأهم من هذا أن التعاطف السليم يزيد من إحساسك بغيرك فتفكر ألف مرة قبل أن تتخذ قراراً قد يرجع على أحد آخر بالأذي والضرر. التعاطف أسلوب حياة بعيد جد البعد عن الأنانية. إذا أنت تعاطفت فقد اكتسبت القدرة على النظر للأمور من جوانب عدة فتفهم آراء الناس وأسسها وتكون قادر على الوصول لهم وكسبهم.
ولو كانوا متعاطفين.. ولو ربوا أنفسهم على هذا... لما استعجلوا قبل إيذاء من لا ذنب له، لتمهلوا قليلاً محاولين أن يفهموا شعور هارامبي الذي لم يعتد على سقوط أحدهم في حوضه على سبيل المثال ولو نظروا للأمر من جانبه هو وليس من جانبهم وما تمليه عليهم مصالحهم. لو تعاطفوا  لتمهلوا وحاولوا بالتفكير بطريقة لا يؤذى فيها أحد.

لا تنسى أن كما لك قلب ينبض ويتألم... أن باقي الناس مثلك، ما اختاروا لأنفسهم الفقر ولم تختر لنفسك الغنى، ولم يختاروا لأنفسهم التعاسة بدل السعادة. فتهمل وفكر وانظر من منظارهم قبل أن تكون سبباً في إيذائهم. وإذا مارست التعاطف فلن تنسى باذن الله

أما إذا كنت الطرف المنكوب فاصبر ولا تعطي الأمر أكثر من حقه، إنها دنيا الزوال... يوم لك وألف عليك، وضع الوعد الإلهي بين عينيك "وبشر الصابرين". لست الوحيد المنكوب... كثير مروا بما مررت وتعدوه وأصبح الأمر في بعض الحالات يدعو للضحك. وكثير مروا بأكثر مما مررت به، فاحمد الله! والتعاطف - كما ذكرنا- سيزيد من قوتك

"هارامبي" هي كلمة أفريقية تعني التعاون والترابط... ما أجمل هاتين الكلمتين على الورق لكن موقعها الأجمل يكمن بداخلنا... لا تسمح لدنيا الزوال بتلويث روح الهارامبي داخلك واخراجها منك، فإن كان مكتوب عليها الخروج فلتخرج مثل خروج هارامبي... أي مرافِقة لروحك :)  


Saturday, September 10, 2016

الخيرة دوماً في ما اختاره الله!

صعقني كما صعق جميع زملائي ذاك الخبر الذي وصلنا عبر البريد الإلكتروني والذي مفاده أن رئيس دائرتنا قد تغير! بعد قراءتي للبريد الإلكتروني كنت أشعر بالإستياء قليلاً فطالما سمعت من زملائي أن أمثال هذا الشخص نادرين، بل هم فعلاً قالوها بصريح العبارة "أبو عبد الله لن يتكرر!". لطالما حدثوني أنه لم يمر عليهم رئيسٌ مثل هذا وربما لن يمر أيضاً. لأكون صريح أنا لم أفهمهم كثيراً لأني لم أجرب رئيساً غيره ولأني أرفض أن يكون لشخص واحد كل هذا التأثير على بيئة العمل. أظن أنه طالما كنت أقوم بعملي ومسؤلياتي على أكمل وجه فيفترض أن لا أكترث كثيراً بمن هو رئيس الإدارة ولكن حديثهم المستمر عن الرؤساء السابقين ومواقفهم السيئة معهم بدأ يؤثر علي وبدأت أشعر أن هناك تأثير للرئيس أنا لا أفهمه لأني غير قادر على أن أقوم بأي مقارنة. لكن ما اتضح لي من حديثهم أن عملك وان كانت ثماره واضحة إلا أن نظرة الرئيس له المستندة على مزاجه وأخلاقه وتطلعاته هي ما يهم. ما عساك أن تفعل أمام هذا النظام السيء!

أنا فعلاً أحسست بالخطر! فالمرء عدو ما يجهل. أحساسي بالخطر ليس فقط لأن رئيساً جديداً سيأتي بل من بيئة العمل الجديدة الغير مألوفة لي التي لطالما سمعت عنها من زملائي والتي عاشوها كثيراً وتمنوا أنها دفنت ولن تعود. أنا خرجت من مكتبي برسالة لزملائي بعنوان: " أحسن وإن لم تجز حتى بالثنا *** أي الجزاء الغيث يبغي إن همى". ينبغي لنا أن لا نسمح بأحد من تغيير هذه البيئة ولا نكترث بتقييم شخص آخر لعملنا ففي النهاية ليس هناك أصدق من الضمير!
للأسف لم أتمكن من مجابهة حزنهم وخوفهم فجرفني تيارهم وتحولت أبيات الشعر إلى:
"رحلتَ فلا شيء يحلو لدي *** إذا ما مضيت مضى كل شيء" وأصبحت الدائرة أشبه بالمأتم، لا نذكر فيها سوى محاسن الفقيد.

نحن قفزنا  إلى الخاتمة سريعاً متناسين أننا لم نعش الواقع الجديد لنحكم بأنفسنا... باختيارنا عشنا في وهم وحزن لا أساس لهما، لكن عندما عشنا الواقع الجديد كان مختلفاً تماماً عما تصورناه وفي نظري أنه اصبح أجمل، فتجديد الدماء يجدد فينا النشاط، فعندما سئلت عن رأيي في الدوام بعد التغيير كانت الإجابة "حي من جديد". التغيير صار في وقته فأنا بدأت أشعر بالرتابة وقررت أن أخرج في إجازة ولكن هذا التغيير ألغى هذا المخطط فوقتي في الدوام أصبح ذا معنىً قوي من جديد وبدأت أتعلم وأستفيد وأنجز بشكل أسرع.
الرئيس الجديد خالف توقعاتنا وفاق أمانينا. لقد أزعجنا التغيير في البداية ولكن ما انتظرنا كثيراً لنعرف أن الخيرة فيما اختاره الله.

أنا أؤمن أنه حتى لو جاءنا من لا نتمنى فهو خير لنا... هنالك دائماً ثمرة قد لا تستطيع عقولنا الصغيرة أن تراها في نفس اللحظة، لكنها ستنزرع في أنفسنا على المدى البعيد. قد تأتي هذه الثمرة على شكل تطورٍ شخصي كالعمل تحت الضغط مثلاً أو القدرة على التكيف في بيئة عمل صعبة على سبيل المثال...

هي ليست المرة الأولى التي أحزن على شيء ليس لي. أذكر أني حزنت في بداية دراستي الجامعية عندما رُفِض طلب تغيير تخصصي فكان الأهل والأصدقاء يواسوني ب"الخيرة فيما اختاره الله" و "خيرة الله دوماً أجمل من أمانينا".وبالفعل! ليس عليَ سوى الإنتظار لأرى أن ما كُتِبَ لي أجمل مما أردت لنفسي... فبعد رفض طلبي، قدموا لي وقالوا أن طلبي قد قُبِل ولكني أخبرتهم أني لا أنوي التغيير وطلبي الأول كان عن جهل مني وتسرع. ففي المدة بين الرفض والقبول بحثتُ وقرأت وسألت وآمن قلبي أن الخيرة فعلاً فيما اختاره الله.

ولا ينحصر الأمر على هذين الموقفين إطلاقا... فكم من مرت تمنيت ودعوت وألحيت في دعائي ولم أبلغ ما أريد ومن ثم أعلم بدون أدنى شك أن عدم بلوغي للمراد ليس إلا لخيرٍ لي. ولست الوحيد المنفرد بهذه المواقف أو بأمنياتٍ لم يبلغها ليعرف لاحقاً أن هذا الأفضل له، متأكد أنكم لو نظرتم لحياتكم لتمكنتم من تذكر موقف أو اثنين على الأقل.

(فَاِنْ أَبْطأَ عَنّي عَتَبْتُ بِجَهْلي عَلَيْكَ ، وَلَعَلَّ الَّذي اَبْطأَ عَنّي هُوَ خَيْرٌ لي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الاْمُورِ..)

عدم الإستجابة لكثير من أدعيتنا لا يتنافى على الإطلاق مع الوعد الإلهي "ادعوني أستجب". نحن لا نعلم عواقب الأمور ولا نعلم ما ادخره لنا الله وهو دائماً أفضل لنا. هذا الإيمان إن فعلاً آمنا به فهو يعطينا الإحساس بالسكينة وهو أقوى حصانة من الحزن والكآبة والسخط أو حتى عدم الرضا بالقضاء الإلهي. ولا شك بأن دعاءنا قد استُبدِلَ بما فيه خير لنا.

ولكن! تظل هناك أهداف وغايات صعبة المنال ونتمناها بكل صدق ونتمنى أن تكون خير لنا... ندعو الله في أن ننالها ونعمل جاهدين في الحصول عليها. فمن يعلم لعلنا نحصل عليها بتوفيق من الله أو لعلنا سنجني الثمار في الطريق إلى الغاية لا الغاية نفسها، في العمل وفي المحاولات لتحقيقها... لا ينبغي أن نستسلم ونتخذ من اختيار الله لنا حجة للتوقف عن ملاحقة أمنياتنا. لا أرى أن هذا يتعارض مع اختيار الله لنا، الخطأ يبدأ عندما نسمح للحزن والإستسلام والسخط وعدم الرضا بالقضاء بأن يتسلل إلينا.

دائماً ادعِ
اللهم اقض حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات
ولكن تذكر
خيرة الله دوماً أجمل من أمانينا







 

Sunday, August 7, 2016

ثمان ساعات تبحث عن معنى 2/2

ما كان عندي أدنى شك أن قرار المدير كان خاطئا عندما وافق على إجازات كل هؤلاء المهندسين بعد عطلة العيد. يبدو أن ما كنت أواسي به نفسي حينها أنها فرصة لي لأُعرف بين الموجودين، فرصة لأثبت لهم أني أهل للثقة.
لكن تظل بعض الخطوات والقرارات صعبة فكنت أأجل ما يؤجل منها إلى حين عودت ذوي الخبرة. كنت أنتظر وكم أكره الإنتظار!
بدأت ساعاتي الثمان تفقد معناها...
الإنتظار يسرق لذة الحاضر ويضع آمال للمستقبل قد لا تكون كما نتصور فنحبط!

لحسن حظي ما طال إنتظاري ! رن الهاتف وإذا به زميلي ومعلمي النيوزيلندي يكلمني من نيوزيلندا ! لمست في أسئلته الإهتمام الجاد بأحوال الدائرة الإنتاجية وحرصه على مساعدتي في وقت إجازته!
نعم أنا كنت أحتاج المساعدة في بعض الأمور التقنية! ولكني أيضاً كنت محتاجاً إلى مساعدة معنوية والتي لمستها في أسئلته وحرصه وتكريس جزء من إجازته لخدمة عمله; أحتاج لتقوية المعنى الذي أعطيته لساعاتيَ الثمان!
ذو ال 61 عاماً ما أثنته خدمته الطويلة أبداً عن أداء واجبه الوظيفي بل وأكثر. مخطئ إذا كنت تظن أن المال هو حافزه فأي مال سيجنيه من خلال مساعدته لي عبر الهاتف ؟! لن تحسب له ساعات عمل إضافية. 
هذا الرجل وجد معنىً في عمله، معنىً أسمى وأقوى من أن يحد بينهم إجازة أو بعد مسافة، أنا لا أظنه مثل الأشخاص الذين ينتظرون الخروج من العمل فور وصولهم له. أن يكون لعملك معنى يعني أن تجد اللذة فيه وتبدع.
قد يكون كلا الصنفين يؤدي واجبه وعمله ولكن هذا "المعنى" الذي نتحدث عنه يحدث فرقاً لا أظن أن بإمكاني وصفه بشكل أجمل وأبلغ من وصف الرياضيات له :

وزميلنا هذا ليس من كوكب آخر وليس الوحيد من نوعه الذي أعرفه. أنا دائماً ما أتذكر صاحبي طالب الطب الذي يحلم بقضاء أكثر من 12 ساعة في غرفة العمليات.
قد يكون وجود المعنى في بعض الوظائف أسهل بكثير من غيرها كالمعلم و الطبيب، لكن المعنى موجود في أي وظيفة كانت! فقط عليك أن ترى ما قد يقويك على العمل ويعطيك اللذة فيه.
بإمكانك أن ترى نفسك جزء من نجاح المؤسسة، المؤسسة التي تعول عليها كثير من الأسر وأن تؤمن أن لو بذل كل فرد من أفراد المؤسسة أقصى ما عنده لنجحت المؤسسة وبالتالي تتوسع ويزيد العاملين فيها والأسر المحتاجة لها.
بإمكانك أن ترى في إخلاصك في العمل فرصة لكسب قلوب زملائك، فما أجل من أن تحل بمكان وترحل عنه فلا يتذكرون منك سوا كل جميل ومحمود. أنا في عملي هذا أستطيع أن أسمي بضع أشخاص غادروا قبل إلتحاقي بالإدارة ولكن خلدهم إخلاصهم في العمل وجهودهم المتميزة.
بإمكانك أن ترى المعنى في إحساسك بالملكية والمسؤولية، أو بتطوير وكسب خبرة، أو برغبة في حفر إسمك وسيرتك العطرة في قلوب زملائك.
جرب واستكشف ومن ثم إختر.
جرب أن تفكر في زملائك كزبائن لدكانك الخاص وعملك وإخلاصك هو لتحسين سمعة هذا الدكان أو العلامة التجارية الخاصة بك كما يحلو للبعض تسميته.
كنا ندرس وغلب على دراستنا الطابع الفردي وكنا نرى المعنى في تطوير النفس، الآن أرى أن فرصة الحصول على معنى وتقويته باتت أكبر بوجود الفريق ومع إختلاف الثقافات والعادات والإحتياجات بين أعضاء الفريق.
لو أن أحداً من الفريق ضيع معناه لربما ضاع الفريق أو على الأقل خسر شيئاً ولو بسيطاً.
فكر في سترابكس مثلاً !
رغم ثمنه المرتفع نسبياً إلا أنه مقصد الكثيرين وما أصبح هكذا إلا بالعمل الجماعي.
ماذا لو تخاذل عامل النظافة مثلاً في أداء وظيفته؟
أو ماذا لو لم تهتم الإدارة في توظيف الناس المبتسمة ولم تهتم في تدريبهم؟
ماذا لو لم تصلنا التجربة الشخصية التي نعيشها كلما ذهبنا بنسيانهم لكتابة أسماءنا على الأكواب أو بتشغيلهم لموسيقى صاخبة ؟
لو كره واحد من الطاقم عمله... لتغيرت التجربة للكثيرين.
بلى معنى لساعاتك الثمان، أنت فاقد للذة ثلث يومك وكالميت !


Sunday, October 11, 2015

ثمان ساعات تبحث عن معنى 1/2

كان يحدونا الشوق جميعاً لمعرفة ما يخطط له زميلنا في العمل، لقد نجح فعلاً في استثارة فضول كل واحد منا. زميلنا في العمل في الأربعينيات من عمره، يتمتع بروح جميلة متفائلة مبتهجة، نفتقده عندما يغيب ويصبح المكان -وخصوصاً وقت الغداء- كالمأتم، نفتقد حكاياه الجميلة وروح الدعابة والضحكة والمزح في حدود المعقول. يعجبني فيه أنه لا يرى أيً من هذا منافياً لعمره أو لمكانه; هو دائماً ما يكون على سجيته بعيداً عن التكلف والتصنع. زميلنا يعرف أن يميز وقت الجد... وتراه شخصاً آخر إذا تطلب الموقف الجدية. إنه فعلاً الشخص الذي تحتاجه كل بيئة عمل يكثر فيها التوتر والضغط. 
زميلي وروحه ليست موضوعنا... بل ما كان يخطط له هو ما المراد.
منذ بداية ذلك الأسبوع وزميلنا يخبرنا بأن لديه ما يقوله يوم الأربعاء في تمام الساعة السابعة والنصف، لا يعطي أي تلميحٍ لما يريد أن يقول، ولا تدري عن جدية الأمر،  فتارةً تظن أنه أمر خطير جداً وتارة أخرى تظنها دعابة من دعاباته. لا أخفيكم مر الأسبوع ببطء علينا جميعاً وأتعبنى الفضول لمعرفة ما لديه.
وفي يوم الأربعاء وفي الساعة السابعة والنصف، كنا جميعاً حيث أراد منا زميلنا أن نكون قبل وصوله هو... في غرفة الإجتماعات. دخل زميلنا الغرفة ليتأكد أن الكل موجود ومن بعدها خرج ليأتي بشيء ما،،، ثم دخل مرة أخرى حاملاً معه الكيك والعصير. المناسبة هي ما نريد أن نعرفه! "لا شك أنه خبر جميلٌ،، فهلا أطلعتنا عليه؟"
رد علينا وابتسامة كبيرة على وجهه:
" أخشى أن أخبركم وتحسدوني... سأخبركم... أنا اليوم حصلت على الخاتم! خاتم العصمة مع الشركة! اليوم صار بإمكاني أن أقول لهم مع السلامة وقتما أريد... أخيراً جاء اليوم بعد سنين من الإنتظار! توقعوا تقاعدي في أي وقت"
في تلك اللحظات توزعت الإبتسامات وارتفعت أصوات الضحكات... معظم الحاضرين كان يحكي عن كم بقى له على التقاعد بكل شوق وترقب... كم بقى له ويتحرر.
من منظوري أنا كان الأمر مختلفاً تماماً.. أنا كنت أصطنع الإبتسامة، أوهمهم إني معهم، أحاول أن أكون في جوهم.." أنا بقى لي الكثير على هذا اليوم".. ويقول أحدهم مواسياً لي " لا تقلق ستمضي هذه السنين بسرعة"... ولكن في الحقيقة  تلك اللحظة كانت مخيفة لي، كابوساً أريد أن أستيقظ منه! "هل هذا سيصبح هدفاً لي مع مرور السنين؟، أهكذا ستفعل بي الأيام؟" ليس من الخطأ أن تحتفل لأنك خدمت عدد معين من السنين، ولكن الخطأ أن تحتفل لأن هذه السنين مرت; الخطأ من البداية هو أن يكون هدفك أن تمر هذه السنين، وليس إنجازاً أو تطويراً شخصياً تحصده خلالها.... "توقفوا أرجوكم!! أنا لا أريد أن أكون مثلكم! أنا لا أريد أن أرى هذا". 


يقال أن حياتك هي 10% فقط هي ما يحصل لك، أما الباقي (90%) فهو استجابتك وردت فعلك تجاه ما يحدث لك. بمعنى آخر... أنت تملك غالبية السيطرة على حياتك... أنت تختار أن تكون سعيداً أو تعيساً. قد يبدو هذا الكلام مثل ما نقرأ في المجلات و الإنترنت من الكلام الجميل الذي يصطدم مع واقع الحياة المرير فيصعب تطبيقه، ولكن صدقوني هناك من حاول ونجح... هناك من حاول أن يرى السعادة في أصعب الظروف وأمرها ونجح. نجح ليس لأنه مختلف أو من كوكب آخر، نجح لأنه عرف الطريقة، عرف أن كلمات مثل :( يحب، يكره، يريد... وغيرها) هي في الواقع أفعال أنت فاعلها وبإمكانك إختيار المفعول به بما يتلاءم مع ظروفك والتي مثلما قلنا هي فقط 10%. الأمر فقط يحتاج إلى التدريب المتواصل. ما أريد أن أقوله باختصار هو أن السعادة بحوزتك، عليك فقط أن تميزها.

Happiness is an inside job

هي ليست ببسيطة على الإطلاق تلك المدة التي قضيناها في الدراسة ، يتفاوت منظورنا لتلك السنين وأداؤنا فيها. أنا كنت مجتهداً متفوقاً بفضل الله ثم بفضل أهلي. أما منظوري إلى تلك اللحظات عندما كنت أعيشها فكان حيادياً; ما كنت أكره أن أستيقظ كل صباح، وما كنت أيضاً أحب ذلك. هي طريقة سير الحياة ونظامها وأنا جزء من ذلك. يبدو إني فقط كنت أحب لحظات التكريم وتوزيع الشهادات. كنت أحياناً أعاير بحرصي على الدراسة!" أنت دافور... أنت من جماعة كتابي كتابي... أنت ما تطلع من بيتكم كثر ما إحنا نطلع.... " وغيرها من الألفاظ اللي كانت تغيظني وقتها. ما كانت "دفرتي" تغيظني فثمرتها كنت أحصدها بمديح أو تقدير أو تكريم أو شهادة، ما كان يغيظني هو أن يُنظر إلي على أني "دافور". كنت أحس أنه جانب خاص في حياتي لا ينبغي أن يذكر، كنت أرى أن تمييزي على أني دافور يتعارض مع كوني "كووول"، ولكن هذا ما غير من الحال شيء.
وأظنها كانت في بداية مرحلتي الثانوية عندما قررت أن ألبس إجتهادي وحرصي كدرع حتى لا يتمكنوا من إستعمالهما ضدي ومعايرتي بهما. ساهم في هذا القرار معلمون مخلصون في عملهم، معلمون لا يرون أن عملهم هو أن يستيغظوا كل صباح ليشرحوا جزءاً من المنهج ثم يعودوا لمنازلهم، كانوا يرون أن عملهم هو أن ينشئوا جيلاً قادراً على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها بسلاح العلم والعمل. فكنت أتفاخر بأني دافور، أصبحت أحب أن يميزني الناس بذلك. أحياناً كنت أعتذر عن الخروج مع أصحابي بحجة المذاكرة لأني أريد أن يميزوني كدافور حتى وإن لم يكن هناك شيء يحتاج للمذاكرة والمراجعة. أذاكر وأنتبه لشرح المعلم أكثر مما كنت في السابق لأني كنت فخور بذلك وليس من أجل المذاكرة والإنتباه بذاتهما. نعم كان ذلك خطأ...
ويبدو أنني لم أنجح فقط من خداع من حولي فقط... أظن أني خدعت ذهني أيضاً! بدأ الأمر كتمثيل متقن ولكنه سرعان ما صار حقيقة. أصبحت أحب ما أفعل! أصبحت أرى اللذة في فتح الكتاب وتلقي محتواه من العلم بكل صدر رحب. لا أخفيكم.. كثيرة هي الأيام التي كنت أهرب من ضيق وغبنة إلى المذاكرة. وحبي لما أفعل جعل تلقي المعلومة أسهل بكثير وأفضل أيضاً، فبدلاً من الإتباع الأعمى لحل مسائل الرياضيات صرت أرى العلة والمنطق في كل خطوة. منذ ذلك الوقت.. أدركت أن ساعات المذاكرة أصبح لها معنى في حياتي بعدما كانت روتيناً. إستيقاظي صباحاً صار أسهل لأن شعاري وقتها تبدل وصار : أنا أدرس إذاً أنا موجود. ويبدو أيضاً أن تجربة غربتي كانت أسهل علي من غيري لأن كان لدراستي فيها معنى قوي. لا أخفيكم أن ضعفي في الغربة وحنيني للوطن كان محصوراً فقط على أيام العطلات الأسبوعية وباقي الإجازات.

قبل بداية العمل، حدثوني كثيراً عن ما أنا مقبل عليه، حدثوني عن تلك الساعات الطوال، عن الروتين القاتل، عن الملل، عن التعب والإجهاد، عن الإجازات، عن ترقبي لعطلة الأسبوع فور انقضائها... وغيرها من الأمور التي لم أكن أتطلع إلى سماعها. "ما يجري عليكم ليس بالضرورة أن يجري علي أنا أيضاً، فنحن مختلفون في تفكيرنا". أنا ما أريده هو معنى موازي ومشابه للمعنى الذي عهدته أيام الدراسة. أريد سبباً لأعيش لحظات العمل وأتعلم منها! أخبروني بالراتب... "أنت تداوم لتحصل على راتب، ألا يكفي هذا؟!!"
بالطبع لا يكفي، أنا ما أراه يكفيكم، لو كان يكفيكم فعلاً فلم التحلطم؟ لو كان يكفيكم فلم لا ترون السعادة في العمل ؟ لماذا يشق عليكم الإستيقاظ الباكر كل صباحاً ؟؟ لأن ساعات عملكم بذاتها ليس لها معنى!! ولا حياة بلا معنى....

يتبع...



Thursday, October 1, 2015

إحسبها صح قبل أن تحب!

كان مقبلاً على الموت مستبسلاً شجاعاً، كان راضياً بحكم الملك عليه بالإعدام. بل رأى الإعدام وساماً يُفتخر به وذكرى تخلد في صفحات التاريخ. أموت وأنا أرفض الظلم وأقول الصدق خير لي من حياة الجبناء. 
ما استفادوا من نُصحه بأن يتوقف عن عناده ويبايع الملك ليعيش، ضحك في وجوههم قائلاً: هل تحسبون أني سأستغني عن كرامتي مقابل بضع سنين...وكيف ستكون هذه السنين؟ 
ظل معانداً ولكن سرعان ما لان عندما ذكروه بأهله; ببناته وأولاده وزوجته، كيف ستكون حال أسرة الخارج عن ولي أمره الخائن لدولته. "إن الملك وعد بأن يغفر لك إذا اعترفت بذنبك وطلبت عفوه". هم صاحبنا أن يضع مبادئه جانباً وأن يطلب صفح الملك ومما لا ريب فيه أن فعلته هذه ليست من أجل نفسه بل من أجلهم، من أجل من يحبهم! 
وحين حان وقت المحاكمة، إعترف بذنبه طالباً صفح الملك... ولكن أي وفاء بالعهد تنتظر من ملك لا يخاف ربه. مات صاحبنا كخائن أمام الناس، فما بقيت له كرامة عندهم ولا هو بقى من أجل من يحبهم. 

إن سألتموني... سأخبركم أنها ضريبة الحب، كم آلمه عندما ذكروه بأهله! كم تمنى أن لا عيال له ولا زوجة! هم من كانو سبب ضعفه ومن هدوا جبال صموده وعزيمته.

الحب كما حاولوا أن يوصلوا لنا... هو سر السعادة، حثونا على الحب بدون قيود أو شروط... "أحبب فيغدو الكوخ قصراً نيرا". أحبب... ذكروها لنا مطلقة، وكأن كل حب يملك شيئاً من السحر الذي بإمكانه قلب حياتك وتحويل كوخك الصغير إلى قصر منير. 

 

أتساءل عن حديثهم بكل هذه الثقة والتفاؤل، هل هذا فعلاً ما وجدوه في الحب ؟! أم أن لذته المؤقتة وحماسهم إليه قد أعماهم عن رؤية الحقيقة أو الصورة كاملةً.

أنا هنا أنوه أن حديثي لا ينحصر على الإنجذاب بين الرجال والنساء... بل يشمل حُب كل ما يُحَب من عاقل أو غير عاقل.

أن تحب يعني أن تفتح على نفسك جبهات بعدد من تحب; جبهات قد يغزوك منها الألم والحزن دون أي إنذار. قد تظنون إني أنا ابن الثلاثة والعشرين ربيعاً كغيري ممن هم في عمري أو في سن المراهق نال منه فراغه العاطفي فأخذ يتخبط في متاهات الحب ويرثي حاله لهجران حبيبه له. لا! ما أعنيه يشمل هذا ولكن لا ينحصر عليه... وإن وقفنا لحظة لتأمل هذا النوع لوجدنا أنه كالوباء الذي انتشر بين شبابنا وخلف فيهم الكآبة والجراح. "آه... هذا الحب مؤلم، ينبغي لي أن أعثر على غيره لأنساه".. لسان حال الكثيرين منهم. وبالفعل! إلى تخبطٍ آخر ينسيهم مأساستهم الأولى ليس لأنه الهدف المنشود،، بل لأنه يحل مكانها.
"عندما لا تستطيع أن تنسى مشكلة افعل مشكلة لاغيرها" وهكذا دواليك حتى يشيب رأسك وتزهق روحك وتصبح " زومبي"

 
 
أنا يا عالم الدين اشتد عودي مصغياً لخطبك معتبراً لما لديك من مواعظٍ وعبر ومعجباً بحسن إلقائك. ولأن قلبي حينها لم يعرف لغة سواها، ولأن قلبي حينها كان بسيطاً ... أراد هو الآخر حصته! ما استطاع أن يصمد دون حراك وهو يرى أن عيني برؤياك قرت ومسامعي لحديثك طابت. "خذ... هذه لك أيها العالم، إنها أكبر حجراتي ... دون مقابل، يكفي أنك أنت ووجودك فيها حياة فوق حياة". هل حسبتها صح أيها القلب قبل أن تهبه نفسك؟.... قلبي ما يحسب، ولا أخاله المحب الوحيد لهذا العالم ففي هذا الجمع الغفير الكثير ممن هم يحبونه، ولعل أحدهم حسبها صح...
 
وبسناريوهات شبيهة لهذا وبكل بساطة وعفوية أحببنا بلا ضوابط... أحببنا الصديق، القريب، المعلم، الزميل، الدكتور... أحببنا -وما زلنا نحب- بشكل كبير... والأمر مع مرور الوقت يصير أسهل، أحياناً صرنا نحتاج وقت أقل وأحياناً أخرى يسبق القلب باقي الحواس في حبه، بمعنى أن حديث الناس يكفينا لنحب شخص ما... دون أن نراه أو نسمع حديثه.
 
ولا أخفيكم، كم كان جميلاً... فعلاً كان هو الحب السحري الذي تحدث عنه الشاعر، هو الحب الذي يحيي القلوب، أنا أحب إذاً أنا سعيد، أنا أحب إذاً أنا أعيش، أنا أحب إذا أنا محصن من الإكتئاب من الوحدة من البؤس وباقي السموم النفسية.
 
وكنت أيضاً كأي ولد في عمري،، مهووساً عاشقاً لتلك الفكرة.. فكرة أن أكبر،، فكرة أن أتقدم في العمر،، فكرة أن أتحمل المسؤولية، فكرة أن أعطي. "إن الحياة حبتك كل كنوزها *** لا تبخلن على الحياة ببعض ما"
 
وعند وصولي لتلك المرحلة التي أحببتها صغيراً ... كانت أول خيانة! نعم... مرحلة تحمل المسؤولية  ما كانت مثل ما توقعت أنا ولا مثل ما توقع أي طفل في عمري، كانت أكبر صدمة لنا جميعاً، أليس كذلك ؟؟ ألم تكن الحياة أجمل عندما كنا صغاراً؟
نعم هي ما بادلتني الحب والشوق... لكن لا يهم، أنا لا أشترط أن يحبني من أحبه فأنا يحييني قلبي وليست قلوب الناس، لطالما كنت أقول مازحاً "حبي أنا يكفينا نحن الإثنان". لا يهم، أنا سأمتص الصدمة.. قد يستغرق الأمر شهوراً بل سنوات، ولكني سأجتازها في نهاية الأمر.
 
إذاً أين كانت الخيانة !! كانت عندما استُعمِلَت دروعي ضدي، عندما تحولت حيطاني العالية وخنادقي الغزيرة إلى جبهات مفتوحة علي... أقصد عندما انقلب حبي علي بعدد قريب لعدد من أحببت.
 
أن تكبر يعني أن تستقل فكرياً، يعني أن لا تصدق كل ما يقال، يعني أن تكتشف أن الحياة صعبة، يعني أن تحاتي وتخطط للمستقبل، ويعني أيضاً أن تكون حذراً.
 
تذكرون عالم الدين... "كبرت وصرت أراه يتخبط! يكفي تخبطاً ؟! ماذا دهاك؟! توقف من أجلي أنا وليس من أجلك؟!".
وما دخلي أنا؟ أنا دخلي إني صرت أكترث ولا أعرف كيف أتوقف عن الإكتراث! "أنا أحاول أن أختلق الأعذار لتخبطك ولكني بدأت أعجز" إنقلب الحب وصار يؤلم.
 
لماذا تكترث لغيرك؟ لماذا تؤلمك أفعال غيرك؟ .... لا تستعجب! الإجابة لدى كل شخص يحب... الأم تحاتي أبناءها، والأب كذلك، والمعلم المخلص يحاتي طلابه. إن سألتهم عن السبب... إجابتهم هي/ لأننا نحبهم. أنا المغلوب على أمره مثلهم ولكن إتسعت قائمتي للكثيرين وها أنا أدفع الضريبة.
 
صغيراً... كنت أرى المستقبل مشرقاً للجميع، أما كبيراً فهو ليس كذلك على الإطلاق. أتألم... لكل صديق لم ينجح، لكل صديق لم يذاكر، لكل صديق يتخبط، لكل صديق يبحث عن وظيفة، لكل صديق أبعدته الحياة، لكل صديق غيرته الحياة، لألم كل منهم. لا أخفيكم، أتساءل أحياناً هل سأكون أسعد لو لم أكن أعرفهم! ولكن، ما حال هؤلاء الذين يتغنون بالحب ويحثون إليه ؟؟ هل كان حديثهم هذا وهم صغار لا يعرفون الدنيا! أم أن لهم مآسي تغنيهم عن مآسي من يحبون! أم إنهم جداً حذرون في إختيار المثاليين فقط ليحبوهم!

يبدو أن أفضل خيار لي هو التفاؤل... فالحياة مؤقتة قصيرة
 
ويقول المسكين الشاعر اللي أحسه عارف هالقصة من زمان:
 
يا سالب القلب منـي عندما رمقـا***لم يبق حبـك لي صبـرا ولا رمقـا
لا تسأل اليوم عما كابدت كبـدي*** ليت الفراق وليت الحب ما خلقا
ما باختياري ذقت الحب ثانية*** ولكن شاءت الأقدار فاتفقا
وكنت في كلف الداعي إلى تلفي *** مثل الفراش أحب النار فاحترقا
يا من تجلى إلى سري فصيرني دكا***وهز فؤادي عندما صعقا
انظر إلى النفس فإن النفس قد تلفت ***رفقاً على الروح إن الروح قد زهقا